صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
28
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة
يتأدى من غيبه وباطن سره إلى مشاعره وهذه التأدية ليست من قبيل الانتقال وحركة للملك ( 1 ) الموحى من موطنه ومقامه إذ كل له مقام معلوم لا يتعداه ولا ينتقل بل مرجع ذلك إلى انبعاث نفس النبي ص من نشأة الغيب إلى نشأة الظهور ولهذا كان يعرض له ص شبه الدهش والغشى ثم يرى ويسمع ثم يقع منه الانباء والاخبار فهذا معنى تنزيل الكتاب وانزال الكلام من رب العالمين . واعلم مما ذكر وجه ما قيل ( 2 ) ان الروح القدسية تخاطب الملائكة في اليقظة والروح النبوية تعاشرهم في النوم ولكن يجب ان يعلم الفرق بين نوم الأنبياء ع ونوم غيرهم كما أن الفرق ثابت بين يقظتيهما فان نومهم كيقظة الناس ولذا قال ص تنام عيني ولا ينام قلبي وقال على ع الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ولعلك بما ذكرناه تستطع ان تذعن بان كل ما كان يراه ويشاهده الروح النبوية في عالم الغيب ليس خارجا عن جنس الكلام والمتكلم والكتابة والكاتب فهذا امر مضبوط واجب الوقوع وليس باتفاقي فتدبر . ولاجل ذلك وقع في كثير من مواضع القرآن ذكر تنزيل الكتاب والآيات مشفوعا بذكر خلق السماوات والأرض وما فيهما كما في قوله تعالى في سوره آل عمران ان الله
--> ( 1 ) وإن كان له أيضا وجه فان كون حقيقة الملك في ذلك المقام الشامخ كون رقيقته هناك وهذا معنى صعوده وان لم يكن انتقال وكون رقيقته متمثلة للنبي في عالم الكون الصوري المحض حتى صارت مشاهده له كون حقيقته هاهنا وهذا معنى نزوله قال تعالى تنزل الملائكة والروح وقال يتنزل الامر بينهن ومثلهما كثير س قده ( 2 ) فان معنى مخاطبه الروح القدسية في اليقظة ان قوى روح الولي أو من دونه لا تشايع روحه لعدم قوه ذلك الروح بمرتبه قوه روح النبي فقواه مستيقظة بشواغل الحس لا يقدر روحه على نزعها نزعا تاما مثل ما يكون للنبي ومعنى معاشره روح النبي ص إياهم في النوم اي شبه الدهش المذكور مشايعة قواه لروحه بحيث رأت ما رأى في عين كونه يقظان بهذا العالم الطبيعي أيضا فيرى بحسه صوره الملك وصوته على وجه يعرف انه ملك كما هو من خواص النبوة س قده .